ابن كثير
339
البداية والنهاية
فصل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، كان أبوه علي زين العابدين ، وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق . وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم ، كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة ، رفيع النسب عالي الحسب ، وكان عارفا بالخطرات ، كثير البكاء والعبرات معرضا عن الجدال والخصومات . قال أبو بلال الأشعري : حدثنا محمد بن مروان ، عن ثابت ، عن محمد بن علي بن الحسين في قوله تعالى : ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ) [ الفرقان : 75 ] قال : الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا . وقال عبد السلام بن حرب ، عن زيد بن خيثمة عن أبي جعف قال : الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ، ولا تصيب الذاكر . قلت : وقد روي نحو هذا عن ابن عباس قال : لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر . وقال جابر الجعفي : قال لي محمد بن علي : يا جابر إني لمحزون ، وإني لمشتغل القلب . قلت : وما حزنك وشغل قلبك ؟ قال : يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عز وجل شغله عما سواه ، يا جابر ما الدنيا ؟ وما عسى أن تكون ؟ هل هي إلا مركبا ركبته ؟ أو ثوبا لبسته ؟ أو امرأة أصبتها ؟ يا جابر ! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار . إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة ، وأكثرهم لك معونة ، إن نسيت ذكروك ، وإن ذكرت أعانوك ، قوالين بحق الله ، قوامين بأمر الله ، قطعوا لمحبة ربهم عز وجل ، ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم ، وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم ، وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم ، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه ، وكماء ( 1 ) أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شئ ، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته . وقال خالد بن يزيد : سمعت محمد بن علي يقول : قال عمر بن الخطاب : إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا ، وإذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص ، وكان أبو جعفر يصلي كل يوم وليلة بالمكتوبة . وروى ابن أبي الدنيا عنه قال : سلاح اللئام قبيح الكلام . وروى أبو الأحوص عن منصور عنه قال : لكل شئ آفة ، وآفة العلم النسيان . وقال لابنه : إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة ، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا ، وإن ضجرت لم تصبر على حق . وقال : أشد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال ، وإنصافك من نفسك ، ومواساة الأخ في المال . وقال خلف بن
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 2 / 109 : وكمال .